الشارع المصرى

حين يسقط المعيار تحت أقدام «الشوروم»: التردي الموسيقي برعاية رسمية!

خاص
في لحظة فارقة يتطلع فيها الشارع المصري إلى استعادة ذائقته الفنية والهوية الاستثنائية التي طالما أطربت الشرق بأكمله، تفاجئنا نقابة المهن الموسيقية—المؤسسة العريقة التي قامت تاريخياً على صون الكلمة واللحن—بخطوة تثير من الدهشة والاستياء ما لا يمكن التغاضي عنه أو تمريره مرار الكرام. إن انتزاع الموافقة الرسمية لإقامة حفل المغني محمد رمضان في مدينة “رأس البر”، ليس مجرد حفل غنائي عابر في جدول صيفي، بل هو تحول جوهري يرسخ لغلبة “الشو” والظاهرة الجماهيرية على حساب الفن الحقيقي والمعايير القيمية والموسيقية التي طالما تعهدت النقابة بحمايتها.
لقد استبشر المتابعون والوسط الفني خيراً مع تولي الفنان مصطفى كامل مسند نقيب المهن الموسيقية، وحمل شعارات براقة تدعو إلى تطهير الساحة وتفعيل “ضوابط المسرح” وحظر التلوث السمعي وإلزام الجمع بتقديم فن يليق باسم مصر وتاريخها الحافل. ولكن، أين تذهب هذه الشعارات والتعهيدات الصارمة حين تفتح الأبواب على مصراعيها لمن اتخذ من الاستعراض المستفز، وتكريس قيم البهرجة، والأسلوب المثير للجدل، عنواناً ثابتاً لمسيرته؟ كيف تستقيم تلك المبادئ المعلنة مع الموافقة على حفل لا يُقدم للجمهور سوى استعراض القوة وإعادة إنتاب القيم الفنية المؤثرة لحساب “التريند” والمكاسب التجارية المباشرة؟
إن الأزمة الحقيقية هنا لا تكمن في شخص، بل في “المنهج”. إن تنازل النقابة عن أدوارها التوجيهية الحازمة ومنح التراخيص لمثل هذه العروض التي تثير حفيظة الكثيرين وتتعارض مع حدود الذوق العام، يرسل رسالة سلبيّة وشديدة الخطورة لكل المبدعين والموسيقيين الحقيقيين؛ مفادها أن الاستعراض الصاخب والضجيج يغلبان التدريب والتأنق الفني، وأن معيار الرفض والقبول بات مرناً يخضع لحجم الصخب والمتابعة، لا لعنق الكلمة أو جمال اللحن!
كيف يطالَب الشارع المصري بالإرتقاء بذائقته الفنية في وقت تُقدم فيه المؤسسة المنوط بها تنظيم القطاع الغنائي الغطاء الرسمي لتكريس هذه الظواهر؟ إن رأس البر—تلك المدينة الهادئة التي ارتبطت دوماً بصيف العائلات والهدوء—تجد نفسها اليوم مسرحاً لنمط من العروض الفردية الاستعراضية التي طالما أثارت الجدل والانقسام الاجتماعي.
إن التراجع عن لعب الدور الحقيقي في الحفاظ على الهوية الموسيقية خطأ تاريخي لا تُصلحه التحصيلات المالية أو رسوم التراخيص. لقد حان الوقت لتدرك نقابة المهن الموسيقية أن نقيبها وأعضاء مجلسها ينبغي أن يكونوا حائط الصد الأول لحماية الفن المصري العريق، لا المسهّل لإقامة العروض الاستعراضية التي تزيد من حدة التردي السمعي وتجريف الذوق العام. إن الحفاظ على قيمة الفن ومكانته أمانة تاريخية لا تحتمل العبث أو المهادنة تحت أي مبرر!

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى